إسرائيل ... أخطر مكان على اليهود!!
على الرغم من مرور ستين سنة على قيامها, لم تعد »إسرائيل« المكان الآمن لليهود. فقد كان هرتزل يعتقد أن قيام الدولة اليهودية هي محصلة لفشل اليهود في الذوبان في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها,
وليس بسبب توارث حلم العودة. وكان يعتقد أن العداء تجاه اليهود سينتهي في حال مغادرتهم للدول التي يعيشون فيها.
وكان الاعتقاد السائد لدى رواد الحركة الصهيونية العالمية أن العرب سوف ينصهرون في اليهود ذوي الثقافة الأوروبية, والذين يمتلكون أدوات الإنتاج, لكن أحداً لم يكن يتوقع ظهور مشاعر قومية لدى عرب فلسطين. وكان اسحق إبستين (1862 - 1943) أحد قادة الصهاينة الأوائل الذين اعترفوا بأن مسألة السكان العرب كانت قضية مركزية تواجه الحركة الصهيونية, ولذلك فقد دعا إلى التحالف معهم حيث قال: »إن فلسطين ملك لهذين الشعبين الساميين العريقين«. ولم تدرك الحركة الصهيونية الخطر الحقيقي للحركة الوطنية الفلسطينية إلا بعد مرور ثلاثين سنة, فقد اكتشفت أنه من المستحيل إنشاء دولة يهودية وسط كثافة سكانية عربية في المنطقة الغربية من فلسطين, كما أن مشاعر الكراهية ضد المستوطنين اليهود استفحلت بين السكان العرب الذين أخذوا يستعدون لمقاومة الهجرة اليهودية وشراء الأراضي. وفي عام 1917 أصدرت بريطانيا وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين, لكن المشكلة التي واجهت الحركة الصهيونية كانت في كيفية بناء قاعدة اقتصادية لاستيعاب المهاجرين من أوروبا, ومع حلول 1936 بدت قضية الصراع العربي- اليهودي في أوضح صورة, وفي عام 1947 تأكدت الحركة الصهيونية من أن إنشاء دولة يهودية يتطلب حرباً غير مضمونة النتائج مع الدول العربية. ومما لا شك فيه أن اعتقاد الحركة الصهيونية بأن اليهود كانوا ذاهبين إلى أرض غير مأهولة, كان اعتقاداً خاطئاً وسطحياً وتضليلياً. ومثله الاعتقاد أن السكان العرب كانوا مهتمين بتحسين وضعهم الاقتصادي فقط. وقد أثبت مقتل المستوطنين الصهاينة في القسطل بالقرب من القدس خطأ رواية »الأرض القديمة الجديدة« في تصوير فلسطين كملجأ شاعري لليهود. وأثبتت الحروب العربية - الإسرائيلية من حرب 1948 والعدوان الثلاثي على مصر عام ,1956 وحرب حزيران ,1967 وحرب الاستنزاف عام ,1970 وحرب تشرين ,1973 وحربا لبنان: الأولى عام ,1982 والثانية عام ,2006 أن الصهاينة تكبدوا خسائر بشرية كبيرة تعد بعشرات الآلاف. وما كانت هذه الخسائر البشرية التي تعتبر مهمة بالنسبة لليهود في حسبان الحركة الصهيونية, وربما كانوا قد توقفوا عن الجري وراء الحلم الصهيوني »لو علموا أن »إسرائيل« سوف تصبح المكان الوحيد في العالم, الذي يتم فيه كره اليهود ويواجهون التهديد ويصطفون في طوابير للحصول على أقنعة واقية من الغاز بعد خمسين عاماً من موت الجيل السابق في غرف الغاز »على حد قول يوسي بيلين«. وتعتبر ميزانية الدفاع »الإسرائيلية« مقارنة بإجمالي الناتج المحلي هي الأعلى في أي دولة في العالم. وقد أخذت هذه الميزانية تتضخم منذ حرب 1973 والتي كلفت الاقتصاد الصهيوني إنتاج عام كامل من الناتج المحلي. ويضاف إلى ذلك, أن جزءاً كبيراً من الاستثمار في مجال الدفاع لا يساهم في النمو الاقتصادي, بل إنه يشكل عبئاً على الاقتصاد الصهيوني. ويضاف إلى ذلك, أن الخدمة العسكرية في الكيان الصهيوني (3 سنوات) وهي أطول منها في أي دولة غربية, فضلاً عن أن خدمة الاحتياط (30 عاماً - شهر كل سنة) توقف الشباب عن دراستهم وهم في قمة العطاء. وتعتقد »إسرائيل« أن الأمن أهم من الاقتصاد, وهذا ما أدى إلى خلق اقتصاد بمواصفات العقلية الاستبدادية. ورغم مرور ستين سنة على قيام »إسرائيل« فإن عدداً كبيراً من الدول الإسلامية لا يزال يرفض الاعتراف بوجودها, كما أن هناك دولاً لا تخفي رغبتها في القضاء عليها, ويصبح وجود »إسرائيل« أكثر عرضة للخطر في عالم تنتشر فيه أسلحة الدمار الشامل. إن »إسرائيل« تدخل في حرب كل عشر سنوات, وهي الآن منشغلة في مواجهة المقاومة الفلسطينية بزعامة حركتي الجهاد الإسلامي وحماس, ولذلك ليس من المستغرب أن يركز الصهاينة كثيراً على »الأمن«. وتستخدم »إسرائيل« الأمن لتبرير ممارسات فاشية لا يمكن القبول بها في دولة ديمقراطية, مثل الاعتقال الإداري, وانتزاع الاعترافات بالتعذيب. وأصبحت »إسرائيل« التي كانت تدعي أنها قلعة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات في منطقة الشرق الأوسط, عرضة للتقارير السنوية التي تصدرها منظمات حقوق الإنسان العالمية والمحلية, لممارستها العنف الأعمى ضد الشعب الفلسطيني. وبدافع من عقلية الحصار والشعور بأن »كل العالم ضدنا« فقد تحالفت »إسرائيل« مع أعتى الديكتاتوريات العسكرية والأنظمة الفاسدة في كل أصقاع الأرض, مثل أنظمة الأبارتيد في جنوب إفريقيا, وشاه إيران, وبينوشيه في تشيلي, وسوموزا في نيكارغوا, من منطلق أن هذه الأنظمة العفنة تؤيد »إسرائيل« بينما »بقية دول العالم منافقة«. والمشكلة الأخرى التي لم يفطن إليها مؤسسو الحركة الصهيونية هي المسألة الديمغرافية المتعلقة بوجود عالم عربي وإسلامي كبير محيط بفلسطين. فقد بنيت فكرة إنشاء الدولة اليهودية على أساس تحقيق الأكثرية اليهودية بطرق ديمقراطية. فوجود أكثرية عربية في فلسطين لن يمكن الأقلية الصهيونية من فرض دولة يهودية في فلسطين, وهذا هو أساس الخلاف بين بن غوريون وجابوتنسكي على تقسيم غرب فلسطين, فقد أيد بن غوريون إنشاء دولتين غرب نهر الأردن - إحداهما يهودية والأخرى عربية - بينما فضل جابوتنسكي الانتظار لحين تأمين أكثرية يهودية, ومثلما عارض جابونتسكي خطة لجنة بيل عام ,1937 عارض ميناحيم بيغين خطة تقسيم فلسطين التي أقرتها الأمم المتحدة بعد عشر سنوات, أما بن غوريون فقد أيد الخطتين انطلاقاً من رغبته في تحقيق سيادة بأسرع وقت ممكن, ولاعتقاده أن وجود دولة يهودية سوف يسارع في عملية الهجرة الجماعية, ولكن ذلك لم يحدث. عندما قرأ مؤسس »إسرائيل« ديفيد بن غوريون إعلان الاستقلال في 14 أيار 1948 شدد على أن »إسرائيل« ستكون ملاذاً آمنا لليهود, وإنما بدا بعد مرور ستين سنة, أن السلام والديمقراطية, يقفان على طرفي نقيض من وجود »إسرائيل«. »فإسرائيل« لا يمكن أن تكون دولة ديمقراطية, لأن ذلك ينزع عنها صفة الدولة اليهودية, ويقودها إلى بناء الدولة العلمانية التي عليها أن تمنح الجميع حقوقاً متساوية بمعزل عن الانتماء الديني, وهذا ما سيفسح في المجال للعرب أن يصبحوا هم الأكثرية في هذه الدولة الديمقراطية. وهذا سوف يعني فناء »إسرائيل« . و»إسرائيل« أيضاً لا تريد السلام, لأنه نقيض وجودها, وينزع عنها صفة الدور الوظيفي - كقاعدة امبريالية متقدمة في العالم العربي - بوصفه أفقاً وحيداً لبقاء »إسرائيل«. من هنا لم يعد الكيان الصهيوني ملجأ روحياً لليهود ومكاناً آمناً لليهود, بل إن ممارساته الشاذة دفعت يهود العالم إلى تطبيع حياتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها, ولا سيما يهود أميركا الذين يشكلون أكبر كتلة بشرية منافسة »لإسرائيل«. * كاتب تونسي



التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك